حيدر حب الله

230

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

« زبدة الأصول » حيث تابع الغزالي وابن الحاجب في إيراد مختصر حول مسائل المنطقيات في بداية كتابه الأصولي « 1 » ، وتدلّنا بعض النصوص والوثائق التي جاءت في سياق المعركة الأخباريّة الأصوليّة « 2 » أن كتب أصول الفقه السنّي كان يروج تدريسها في الحوزات والمعاهد الدينية الشيعيّة أو كان يروج دراسة الشيعة في معاهد أهل السنة ، ومن الطبيعي أن تترك ظاهرة كهذه أثرا في التفاعل المعرفي بين السنّة والشيعة ، ومن ثم استقاء الشيعة نبض المنهاجيات والمقولات من الطرف السنّي ، كما أنّ العكس غير بعيد . من هنا ، وقع تقارب شديد في المنهج والآليات بين الطرفين رغم كلّ التباعد العقائدي وغيره ، وكانت تجارب الفقه المقارن التي أوسعها العلامة بسطا وتفصيلا في كتابه الشهير « تذكرة الفقهاء » قد ساهمت أكثر فأكثر في تداول المقولات وكل ما هو نتيج للفكر السنّي في الوسط الشيعي . وكان من الطبيعي - إذا ما تنامت هذه الظاهرة - أن تقف على الهامش تيارات صغيرة معارضة لهذا التقارب غير المعلن ، إن طبيعة الأمور في ظلّ مناخات مذهبيّة تقتضي تولّد تيار معارض لهذا الواقع ، ومن الطبيعي أيضا أن يشتدّ تطرّف أو تشدّد هذا التيار المعارض كلّما تنامى هذا التقارب ، كما نلاحظه أيضا في واقعنا المعاصر ، بقطع النظر عن تقويم معياري لأدائي تيار التقارب ومعارضيه . وهذا ما حصل بالفعل ، إذ أدّى الواقع المشار إليه إلى ظهور تيار معارض ، سرعان ما تحوّل إلى صيحة كبيرة عندما بلغ تيار مدرسة العلامة مبلغه مع الشهيد الثاني وصاحبي المنتقى والمدارك . . وهذا ما يفسّر - كما سنلاحظ مفردات ذلك - ذلك الانبعاث للخصوصيّة الشيعيّة في العقل الأخباري ، فأخبارنا غير أخبار السنّة ، ورجالنا غير رجالهم ، وهمومنا الفكرية تغاير همومهم ، وحاجاتنا المنهجية على قطيعة مع حاجاتهم ، مقولات لطالما نطق بها العقل الأخباري الذي شكّل ركن هذه الصيحة ، وهي كلمات سنلمسها على الدوام في طيّات مباحثنا القادمة . من هنا ، اعتقد الأخباري بلا جدوائية العقل ، لأنّ العقل هو مفتاح التواصل أيضا مع الآخر ، واعتقد بلا جدوائية التنويع الجديد للحديث بل وعلم الدراية برمّته ، لأنّه حاجة وجدها المجتمع السنّي ، واعتقد بعبثية علم أصول الفقه ، لأنّه نتاج سنّي في مكوّناته الأولى كما تصرّح بذلك كلّه نصوص الأخباريين أنفسهم ، واعتقد بعبثية مقولة الإجماع لأنه أصل السنة وهم أصل له ، وهكذا نحّى الأخباريّ مرجعية القرآن لأنّها لا تبدي الخصوصية عند

--> ( 1 ) - أبو القاسم كرجي ، تاريخ فقه وفقها : 325 ؛ وعدنان فرحان ، حركة الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة : 337 . ( 2 ) - انظر على سبيل المثال : الأسترآبادي ، الفوائد المدنيّة : 173 ؛ والكركي ، هداية الأبرار : 95 .